عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

508

اللباب في علوم الكتاب

وقال السديّ : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي : لو استغفروا ، ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقرّوا بالذّنب واستغفروا لكانوا مؤمنين « 1 » . وقال عكرمة : « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » يسلمون ، يقول : لو أسلموا لما عذبوا « 2 » ، وروى الوالبي عن ابن عبّاس : أي : وفيهم من سبق له من اللّه أنه يؤمن ويستغفر كأبي سفيان ، ومصعب بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام ، وغيرهم « 3 » . وروى عبد الوهاب عن مجاهد : « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » أي : وفي أصلابهم من يستغفر « 4 » . قوله تعالى وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ الآية . في « أن » وجهان : أظهرهما : أنّها مصدرية ، وموضعها إما نصب ، أو جرّ ؛ لأنّها على حذف حرف الجر ، إذ التقدير : في ألّا يعذّبهم ، وهذا الجارّ متعلق بما تعلّق به : « لهم » من الاستقرار ، والتقدير : أيّ شيء استقر لهم في عدم تعذيب اللّه إياهم ؟ بمعنى : لاحظ لهم في انتفاء العذاب . والثاني : أنّها زائدة وهو قول الأخفش . قال النّحّاس « 5 » : لو كانت كما قال لرفع « يعذّبهم » . يعني النّحاس : فكان ينبغي أن يرتفع الفعل على أنه واقع موقع الحال ، كقوله : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ [ المائدة : 84 ] ولكن لا يلزم من الزيادة عدم العمل ، ألا ترى : أنّ « من » و « الباء » يعملان وهما مزيدتان . وقال أبو البقاء « 6 » : « وقيل هو حال ، وهو بعيد ، لأنّ « أن » تخلّص الفعل للاستقبال » . والظّاهر أنّ « ما » في قوله « وَما لَهُمْ » استفهامية ، وهو استفهام معناه التقرير ، أي : كيف لا يعذّبون وهم متّصفون بهذه الحال ؟ . وقيل : « ما » نافية ، فهي إخبار بذلك ، أي : ليس عدم التّعذيب ، أي : لا ينتفي عنهم التعذيب مع تلبسهم بهذه الحال . فصل [ في معنى الآية : وما يمنعهم من أن يعذبوا ] معنى الآية : وما يمنعهم من أن يعذبوا ، أي : بعد خروجك من بينهم : وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي : يمنعون المؤمنين من الطّواف ، وقيل : أراد بالعذاب بالأوّل عذاب الدّنيا ، وبهذا عذاب الآخرة .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 235 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 246 ) . ( 2 ) انظر : المصدر السابق . ( 3 ) انظر : المصدر السابق . ( 4 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 246 ) من طريق عبد الوهاب عن مجاهد . ( 5 ) ينظر : إعراب القرآن للنحاس 1 / 675 . ( 6 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 2 / 6 .